رهانات_القراءة_وبناء_مجتمع_المعرفة
...............................
رحلة بعيون عاشقة جمال_ڤيينا_في_جمال_بيئتها_ومآثرها
ڤيينا بالإنجليزية Vienna ، هي عاصمة النمسا و أكبر مدنها، وسميت بهذا الأسم لأن حاكماً قديماً كان يعيش بها ويدعى فيينس . ويقال أن ڤيينا هو الإسم القديم للعائلة المالكة النمساوية .
تختلف الروايات حول سبب تسميتها ولم يثبت أي منها ، وتنقسم ڤيينا إلى 23 منطقة كالمنطقة الأولى وهي الأهم سياحيا باعتبارها قلب البلد وأكثرها عراقة وإن كنا نجد أن كل منطقة لها مميزاتها .
خلف أسوار الحرب عاش أهل ڤيينا المسالمون الوديعون، إنهم خليط متسامح صبور - بقدر معقول - من الألمان والمجريين والتشيك والسلوفاك والكروات والمورافيين والفرنسيين والإيطاليين والبولنديين والروس ، وكانت غالبيتهم العظمى من الكاثوليك التابعين لبابا روما (الأروام الكاثوليك)
وكانوا - إذ سمحت لهم ظروفهم - يتعبدون في ضريح القديس حامي المدينة في كنيسة القديس ستيفن St. Stephen وكانت شوارعها في غالبها ضيِّقة وإن كانت هناك بعض الشوارع الفسيحة التي تكتنفها الأشجار والممهدة تمهيداً جيداً.
تتحلَّق المباني الملكية الفخمة حول مبنى البلاط الإمبراطوري الذي يشغله الإمبراطور وأسرته وشاغلو المناصب الأساسية في الحكومة ويمر نهر الدانوب (الأزرق) على طول حافة المدينة حاملاً التجارة والمسرات في فوضى محبّبة، وفي اتجاه النهر يُطلق على المتنزّه اسم المرج Prater حيث يُتاح لكل شاب وشيخ مجال للتنزه بالعربات التي تجرها الخيول أو التنزه سيراً على الأقدام بالنسبة إلى السائرين المحظوظين الذين يحبون الأشجار ورائحة الزهور وأوراق الشجر وشقشقة الطيور وألحانها الشجية، واللقاء بين هذه المناظر الخلابة والألحان الشجية. بشكل عام فإن أهل ڤيينا أناس طيِّعون سهل الانقياد حسن السلوك، وهم يختلفون اختلافاً تاماً عن أهل باريس الذين يكرهون نبلاءهم ويتشككون في ملوكهم ويشكّون في وجود الرّب.
يوجد في ڤيينا نبلاء كما في باريس، لكن نبلاء ڤيينا يرقصون ويعزفون الموسيقى في قصورهم ويحترمون من هم دونهم ولا يتَّسمون بالتفاخر والادعاء ويموتون حبا في التودد للنساء، وكانت كل هذه الصفات بطبيعة الحال غير مجدية في مواجهة جيوش نابليون المحبة للقتال.
كان الوعي الطبقي أكثر حدة لدى الشرائح العليا من الطبقة الوسطى التي كونت ثروات بتوريدها مستلزمات الجيش أو بإقراضها أفراد الطبقة الأرستقراطية الذين تعرضوا للفقر أو بإقراضها الدولة التي كانت تحارب، وتخسر الحرب دائما.
بدأت الطبقة الأرستقراطية تتشكل بحلول 1810 كان هناك ما يزيد على مئة مصنع في ڤيينا وبالقرب منها، وكان بهذه المصانع نحو 72000 عامل وعاملة، وكانت أجورهم تكفي - بشق الأنفس - للعيش والتكاثر.
في وقت باكر يرجع لسنة 1811 ظهرت الشكاوى من أن مصانع المواد الكيماوية ومصافي البترول تلوِّث الجو . وكانت التجارة تتطوّر، ومما ساعد على تطورها ما أتاحه ميناء تريست Trest من تيسيرات لتجارة النمسا في البحر الأدرياتي، وكذلك نهر الدانوب الذي يمر بمئات المدن بالإضافة لبودابست، ويصل - أي النهر - إلى البحر الأسود.
بعد محاولة نابليون في سنة 1806 إقصاء البضائع الأوروبية عن القارة الأوروبية، وكذلك بعد الهيمنة الفرنسية على إيطاليا وَهَنَت أوضاع التجارة والصناعة في النمسا، وأصبحت مئات الأسر تُعاني البطالة والفقر المدقع.
أما أمور المالية، فكانت في غالبها في أيدي اليهود إذ أدَّى حرمانهم من الاستثمار الزراعي والصناعي إلى أن أصبحوا خبراء في التعاملات المالية .
ضارع بعض البنكيين اليهود الإسترهيز the Esterhazys في بهاء منشآتهم وعظمتها وأصبح بعضهم أصدقاء أثيرين للأباطرة، وكُرِّم بعضهم باعتبارهم مُنقذين للدولة .
منح جوزيف الثاني بعض البنكيين اليهود رُتب النبالة تقديراً لوطنيتهم، وكان الإمبراطور يحب عن نحو خاص زيارة ناتان فون أرنشتين Nathan Von Arnstein في بيته حيثُ كان يستطيع مناقشة أمور الأدب والفكر والموسيقا مع الزوجة الجميلة لهذا البنكي اليهودي ،إنها فاني إيتسج Fanny Itzig المثقفة المتعدّدة المواهب التي كانت صاحبة أفضل صالونات ڤيينا .
وكان النبلاء يُسيِّرون أمور الحكومة بكفاءة متوسطة وبغير كثير من الأمانة، وقد نعى جيرمي بنثام Jeremy Bentham في خطاب مؤرّخ في 7 يوليو 1817 الفساد التام الذي يسود دولة النمسا ويَئس لأنه لم يجد فيها شخصاً شريفا ولم يكن لأيٍ من العوام أن يطمح للوصول إلى منصب قيادي في الجيش أو الحكومة، لهذا لم يكن أي من البيروقراطيين (الإداريين) أو الجنود ليبذل الجهد متحملاً الآلام أو المخاطرة للترقي، فامتلأت صفوف الجيش بالمتطوعين الكسالى أو المجنَّدين إلزامياً أو بالمتسولين المكرهين على الخدمة والمجرمين والراديكاليين، فلا عجب إذن أن كانت الجيوش النمساوية تتعرض لهزيمة منكرة أمام الكتائب الفرنسية التي كان يمكن لأي فرد فيها أن يصل إلى رتبة القيادة بل وينضم إلى جماعة الدوقات المحيطين بنابليون.
أما النظام الاجتماعي فقد كان يضبطه الجيش والبوليس والعقيدة الدينية . ورفض الهبسبرج الحركة الدينية الإصلاحية (حركة لوثر ورفاقه) وأبقوا على الولاء للكنيسة الكاثوليكية واعتمدوا على إكليروسها المدربين جيدا للتدريس في المدارس وإحكام الرقابة على الصحف وتنشئة كل طفل مسيحي على عقيدة تؤكد مبدأ وراثة العرش كحق إلهي، وتجعل الفقر والأحزان شيئاً مريحاً يُكافأ عليهما المرء في الحياة الأخرى كما تَعِدُ بذلك العقيدة الدينية.
كانت الكنائس الكبرى (مثل سيتفانسكيرش وكارلزكيرش) تقدم طقوساً وقورة مصحوبة بالأغاني والمباخر التي يتصاعد منها البخور والدعوات (الصلوات) الجماعية التي تمجدها الجماهير، والتي كان البروتستنط مثل #باخ Bach والمتشككون مثل #بيتهوفن يتوقون لتقديمها.
كانت المواكب الدينية مصحوبة بشكل دوري بالأعمال الدرامية التي تقدمها في الشوارع لتذكير رجل الشارع بحياة القديسين وشهداء العقيدة والاحتفاء بالتواضع والرحمة اللتين تميزان ملكة ڤيينا، والأم العذراء. وبالإضافة للخوف من جهنم وبعض المشاهد المأسوية لتعذيب القديسين، فقد كانت هذه الأمور تمثل ديناً مُريحاً طالما جرى تقديمه للبشرية.
تُرِك التعليم في المرحلة الأساسية والمرحلة الثانوية لتتولاّه الكنيسة، وكان الأساتذة في جامعتي ڤيينا وانجولشتدت Ingolstadt وإنسبروك Innsbruck من الجزويت (اليسوعيين)، وتم إيقاف كل الأفكار الفولتيرية عند حدود النمسا بمعنى أنه لم يُسمح لها بالتغلغل كما تم إغلاق أبواب ڤيينا في وجهها.
كان المفكرون الأحرار يمثلون قلة قليلة، وكان بعض المحافل الماسونية قد ظل باقياً بعد محاولة ماريا تيريزا تدميرها (أي تدمير هذه المؤسسات الماسونية) إذ حافظت بعض هذه المحافل والجمعيات على أفكار معتدلة بضرورة مقاومة تدخل الإكليروس في الحياة العامة، كان من الممكن أن يأخذ بها حتى الكاثوليكي المتمسك بكاثوليكيته، كما أخذت هذه الجمعيات والمحافل ببرنامج للإصلاح الاجتماعي أيّده الإمبراطور .
ولهذا كان #موزارت Mozart - وهو كاثوليكي متمسك تمسكاً شديداً بكاثوليكيته - ماسونياً، وانضم جوزيف الثاني للتنظيم السرّي (للماسونية) ووافق على مبادئ الإصلاح بل وحوَّل بعضها إلى قوانين. بقيت جمعية سرية راديكالية أخرى هي جمعية الإليوميناتي Illuminati، وكان آدم فيشوبت Adam Weishaupt الجزويتي (اليسوعي) الذي نبذه الجزويت (اليسوعيون) قد أسس هذه الجمعية السرّية (الإليوميناتي) في سنة 1776، لكن هذه الجمعية لم تكن منتعشة بالمقارنة بالجمعيات الأخرى، وجدّد ليوبولد الثاني قرار أمّه بمنع كل الجمعيات السرّية.
حققت الكنيسة بشكل طيب مهامها في تعليم الناس الوطنية والإحسان والانضباط الاجتماعي والالتزام بالمحرمات في العلاقات الجنسية. وقد ذكرت مدام دي ستيل Stael في سنة 1804 أن لا تلتقي أبداً بمتسوّل . فالمؤسسات الخيرية منظمة بانضباط شديد، ويُقيمها من يشاء دون مانع.
إن كل شيء يحمل الطابع الأبوي لحكومة دينية حكيمة ويلتزم العامة - بشكل حر - بتجنب المحرمات الجنسية، لكن الطبقات العليا أكثر تسيّباً في هذا الشأن فالرجال في هذه الطبقة خليلات وللنساء عشّاق.
اعترض #بيتهوفن - فيما يقول ثاير Thayer - على ممارسة كانت غير قليلة الانتشار في ڤيينا على أيامه وهي أن يعيش المرء مع امرأة غير متزوجة، حياة الأزواج لكن قوّة الروابط داخل الأسرة كانت أمراً معتاداً، وظلت سلطة الأب قائمة، وكانت العادات معتدلة لطيفة ولم تكن المشاعر الثورية لتلقى ترحاباً كبيراً.
كتب "بيتهوفن" في 2 أغسطس سنة 1794 معتقدا أن النمساوي لن يثور طالما كانت لديه جعّته (البيرة) الداكنة وسجقه (السجق هو النقانق)
كان رجل ڤيينا النمطي (التقليدي) يفضّل أن تُولم له (أي تدعوه لوليمة) أو تحتفي به أكثر من تفضيله للإصلاح .لقد كان بالفعل ينفق بنساته القليلة (قطع العملة القليلة القيمة، وكان من هذه العملات السائدة في ڤيينا الجروشن groschen والكروزر Kreuzers) لمشاهدة نيكلوس روجر Niklos Roger ذلك الحاوي الإسباني الذي يدَّعي أنه محصن ضد النار (لا يحترق)، وإن استطاع ابن ڤيينا تدبير قطعة عملة أخرى لعب البليارد أو كرة البولنج.
كانت ڤيينا وضواحيها تغص بالمقاهي - نسبة إلى مشروب القهوة الذي أصبح الآن ينافس البيرة (الجعّة) كمشروب محبّب، وكانت المقاهي هي نوادي الفقراء، إذ كان أهل ڤيينا من الطبقات الصاعدة يذهبون إلى البيرهولن Bierhallen التي كانت الحدائق الجميلة تحيط بها، وكان بها قاعات حسنة حيث كان في مقدور الأثرياء أن يفقدوا أموالهم في المقامرة كما كان في مقدورهم الذهاب إلى الحفلات التنكرية حيث يرقص مئات الأزواج والزوجات معاً وفي الوقت نفسه، في صالات مغلقة (ريدوتنستال)، وحتى قبل أيام جوهان شتراوس Strouss 1804 - 1849)
كان رجال ڤيينا ونساؤها كأنهم قد خُلقوا ليرقصوا. وذابت الممنوعات والمحرّمات في ثنايا رقصات الفالس، لقد أصبح في مقدور الرجل الآن أن يسعد بالالتصاق الذي يحقق الرعشة مع من يراقصها، ويدور بها دورانا مجنونا، واحتجت الكنيسة لكنها تسامحت (غَفَرت).
معرفة_ڤيينا
محمد بولحيا






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق